الشيخ عبد الغني النابلسي

442

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

فتميزت الأعيان كلها الكونية مع العين الإلهية بالمراتب الاعتبارية التقديرية ، والعين المطلقة الوجودية السارية في الكل قام بها الكل واتصفت بالكل وهي واحدة غنية عن العالمين فأعطى كل ذي حق من رب أو عبد حقه الواجب له كل عارف ، أي إنسان كامل لانفعاله عما هو فوقه في الدرجة وفعله لما هو تحته في الدرجة . قال تعالى : أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ وهو أعم ثُمَّ هَدى [ طه : 50 ] وهو أخص فهو الإنسان الكامل والعالم المتحقق العامل فلهذا كان حب النساء لمحمد صلى اللّه عليه وسلم حاصلا فيه عن تحبّب إلهي لا غرض نفساني ، وكذلك الحال في كل وارث محمدي كامل إلى يوم القيامة . قال تعالى : قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 108 ) [ يوسف : 108 ] تقديره : ومن اتبعني أيضا ليس من المشركين . ولم يصرح به لوجود الاتحاد في البصيرة الواحدة التي هما عليها بواسطة الاتباع ، فإنها مقتضية لذلك أيضا ، ولهذا نقل عن الإمام الشافعي رحمه اللّه تعالى : أنه كان يختار في الإيمان أن يقول : آمنت باللّه وبما جاء عن اللّه على مراد اللّه ، وآمنت برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وبما جاء به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على مراد رسول اللّه ، ليلتحق باتحاد البصيرة واستكمال البريرة وأن اللّه تعالى أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ [ طه : 50 ] ، كما ورد في الآية المذكورة قريبا في كلامنا وهو ، أي الخلق الذي أعطاه تعالى كل شيء عين حقه ، أي حق ذلك الشيء ، ولكن لا يقال فيه تعالى أن الشيء عليه حقا ويقال خلق وفي غيره تعالى يقال ذلك فما أعطاه ، أي اللّه تعالى للشيء إلا باستحقاق استحقه ذلك الشيء بمسمّاه أي بذات ذلك المستحق ، يعني بما اقتضته ذاته من الاستحقاق للوجود من حيث افتقاره إليه أزلا . * * * وإنما قدّم النساء لأنّهنّ محلّ الانفعال ، كما تقدّمت الطبيعة على من وجد منها بالصّورة . وليست الطّبيعة على الحقيقة إلّا النّفس الرّحمانيّ ، فإنّه فيه انفتحت صور العالم أعلاه وأسفله لسريان النّفخة في الجوهر الهيولانيّ في عالم الأجرام خاصّة . وأمّا سريانها لوجود الأرواح النّوريّة والأعراض فذلك سريان آخر . وإنما قدم صلى اللّه عليه وسلم النساء على بقية الثلاث التي حببت إليه لأنهن ، أي النساء